محمد طاهر الكردي
160
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
أما المسجد القديم ، الذي ببحرة ، قيل إن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى في موضعه منصرفه من غزوة حنين أو ثقيف أو الطائف واللّه تعالى أعلم بصحته ، فإنا لا نجزم بذلك بل نشك فيما قيل ، وإنما هو كالمساجد الأخرى غير أنها قديمة العهد ، فإن قرية كبحرة معروفة من قديم الزمان وهي المحطة الكبرى الرئيسية لقوافل الحجاج ، وأهلها كلهم مسلمون لا يمكن أن تكون بدون مسجد يصلّون فيه . قال عنها إبراهيم باشا رفعت صاحب كتاب « مرآة الحرمين » ما نصّه : وبحرة تسمى « بحرة الرغاء » على يسار الميمّم مكة ، وبها أكواخ حقيرة ، وحظائر للإبل ، وقهاوي ، ومسجد صغير بمئذنة ، بنى أصله النبي صلى اللّه عليه وسلم منصرفه من غزوة الطائف ، سنة ثمان ، وصلى فيه كما جاء في سيرة ابن هشام ، وفيها عقب ذلك . قال ابن إسحاق : فحدثني عمرو بن شعيب أنه أقاد ، يومئذ ببحرة الرغاء ، حين نزلها ، بدم ، وهو أول دم أقيد به في الإسلام ، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به . اه . وهنا قال مؤلف كتاب « مرآة الحرمين » : ولكن في زاد المعاد في هدى خير العباد في غزوة الطائف ما يأتي : ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الطائف إلى الجعرانة ، ثم دخل منها محرما فقضى عمرته ، ثم رجع إلى المدينة . اه . قال المؤلف المذكور : والطائف في الجنوب الشرقي لمكة والجعرانة بينهما ، لكنها أقرب إلى مكة ، فكيف يتفق مع ذلك أنه مر ببحرة منصرفه من غزوة الطائف ، مع أنها غربي مكة ، ولا تقل المسافة بينهما عن ثلاثين ميلا ، وبين الجعرانة ومكة حوالي عشرة أميال ، إنّا لذلك نقف موقف الشك فيما رواه ابن هشام ، ونقله عنه كثير من المؤرخين حتى يأتينا اليقين . انتهى كلام صاحب مرآة الحرمين . الجعرانة : هي بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وهو الأشهر وبهذا ينطق الحجازيون إلى اليوم ، وقيل : بكسر الجيم والعين وتشديد الراء . نقول واللّه تعالى أعلم : لا داعي للشك في هذه المسألة ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد نزل في الحديبية التي تسمى الآن « بالشميسي » مع أصحابه ، ونزوله هنا لا شك فيه وقد قدمنا الكلام عنه هنا في أول الفصل ، وبين الشميسي وبين بحرة خمسة عشر كيلو مترا ، فالمسافة قريبة بينهما ، وطريق المدينة ، للمسافر من مكة ، من قديم الزمان ، هو عن طريق مرّ الظهران ، المسمى الآن « بوادي فاطمة » ووادي